google-site-verification=0y7SK1TSqpUjd-0k3R3QUeUDKj-1chg6Il-3Qtn7XUM
وكالة عيون القدس الإخبارية
وكالة عيون القدس الإخبارية

مضيق هرمز: كيف تهزّ الحرب على إيران الاقتصاد العالمي

حسان شعبان – قناة الميادين

محرّكات مطفأة، ونوافذ سيارات مفتوحة تحت الحرّ، وطابور طويل من السيارات يمتدّ لمئات الأمتار أمام محطة وقود في ضواحي دكا. سائقون ينتظرون لساعات من أجل بضعة لترات فقط، تكفي لمتابعة يومهم، بعد أن بدأت الحكومة تقنين الإمدادات مع الارتفاع الحادّ في أسعار الطاقة.

وعلى بعد أكثر من ألفي كيلومتر شرقاً، يتلقّى آلاف الموظفين الفيتناميّين رسائل نصية من شركاتهم تطلب منهم العمل من المنزل. ليس لأنّ العمل عن بُعد أصبح أكثر كفاءة، بل لأنّ استهلاك الكهرباء بات عبئاً متزايداً على الشركات.

وفي الوقت نفسه، وعلى بعد آلاف الكيلومترات غرباً، يجتمع محافظو البنوك المركزية في واشنطن وبروكسل لمناقشة احتمال تأجيل خفض أسعار الفائدة، بعدما بدأت موجة تضخّم جديدة تلوح في الأفق مع ارتفاع أسعار الطاقة.

كلّ هذه الأحداث ليست صدفة جغرافية، فالخيط الذي يجمعها يبدأ من مضيق هرمز، ففي هذا الممرّ البحري الضيّق بين إيران وسلطنة عُمان، يعبر كلّ يوم نحو خُمس النفط الذي يستهلكه العالم.

ولهذا السبب، فإنّ أيّ توتر عسكري أو اضطراب أمني في هذا الشريان الحيوي يتحوّل بسرعة من مجرّد خبر إقليمي إلى زلزال اقتصادي يشعر به سائق ينتظر الوقود في دكا، وموظف يعمل من منزله في هانوي، ومحافظ بنك مركزي يهندس الأرقام في واشنطن. هكذا يصبح ممر بحري ضيّق قادراً على إرباك كوكب كامل.

لا تُقاس الحروب بعدد الصواريخ التي تُطلق، أو المدن التي تُقصف، أو الشخصيات التي تُستهدف فقط. فمؤشّراتها الحقيقية تظهر أيضاً بعيداً عن ساحات القتال، في شاشات البورصات، وفي اجتماعات البنوك المركزية، وفي فواتير الوقود التي تصل إلى ملايين الأسر حول العالم.

الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى تبدو في ظاهرها مواجهة عسكرية إقليمية. لكنها اقتصادياً تحمل ملامح صدمة قد تبدأ من مضيق هرمز وتمتد تدريجياً إلى قلب النظام الاقتصادي العالمي.

عاد النفط مجدّداً ليذكّر العالم بأنّ الاقتصاد العالمي ما زال يدور حول الطاقة، والطاقة ما زالت تمرّ عبر ممرات جغرافية ضيّقة. لذا فإنّ مجرّد التهديد بتعطّل الملاحة في مضيق هرمز كافٍ لدفع أسعار النفط إلى الارتفاع فوق 110 دولارات للبرميل، وفق تقارير نشرتها مؤسسات مالية دولية ووسائل إعلام اقتصادية مثل بلومبرغ وفاينانشال تايمز. لكنّ النفط ليس سوى الحلقة الأولى في سلسلة اقتصادية أطول بكثير.

صدمة الطاقة… بداية السلسلة

ارتفاع أسعار النفط منذ اندلاع المواجهة كان المؤشّر الأول على دخول الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة من التذبذب وعدم اليقين، فالتقديرات الاقتصادية تشير إلى أنّ استمرار الاضطراب في هذه المنطقة قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير خلال الأشهر المقبلة.

بعض السيناريوهات التي ناقشتها تحليلات اقتصادية في مجلة أتلانتيك تشير إلى أنّ استمرار تعطّل الملاحة في مضيق هرمز لمدة شهر واحد فقط قد يدفع أسعار النفط إلى حدود 200 دولار للبرميل، وهو مستوى كفيل بإحداث صدمة اقتصادية عالمية واسعة. فعندما يرتفع سعر النفط ترتفع معه تكاليف النقل والإنتاج والزراعة، وتتحوّل الطاقة بسرعة إلى موجة تضخّم تضرب معظم قطاعات الاقتصاد العالمي.

شبح الركود التضخّمي

الاقتصاد العالمي خرج قبل سنوات قليلة فقط من واحدة من أعلى موجات التضخّم منذ عقود، بعد جائحة كورونا والحرب الروسية في أوكرانيا. وكانت البنوك المركزية الكبرى قد بدأت التفكير في تخفيف السياسة النقدية مع تراجع التضخّم تدريجياً. لكنّ الحرب الحالية أعادت هذا السيناريو إلى نقطة الصفر.

ارتفاع أسعار الطاقة مجدّداً قد يدفع التضخّم إلى الارتفاع في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا. وقد حذّر مسؤولون في الاتحاد الأوروبي، بحسب تقرير نشرته بلومبرغ، من أنّ استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز قد يدفع معدّل التضخّم في التكتل الأوروبي إلى ما يتجاوز 3%، مع تأثير مباشر على النمو الاقتصادي في السنوات المقبلة.

هنا تجد البنوك المركزية نفسها أمام المعضلة التي عرفها العالم في سبعينيات القرن الماضي بعد صدمات النفط. فرفع أسعار الفائدة قد يحدّ من التضخّم لكنه يخنق النمو، بينما خفضها قد يعيد إشعال التضخّم من جديد. تلك هي معادلة الركود التضخّمي التي يخشاها الاقتصاديون.

الأسواق المالية تبدأ في الردّ

الأسواق لم تنتظر طويلاً لترجمة هذه المخاوف. فقد سجّلت مؤشّرات الأسهم العالمية تراجعات ملحوظة مع تصاعد التوتر في الخليج. إذ سجّل مؤشّر S&P 500 أطول سلسلة خسائر أسبوعية خلال عام، وسط قلق المستثمرين من عودة التضخّم وتأجيل خفض أسعار الفائدة.

في الوقت نفسه بدأت عوائد السندات الحكومية الأوروبية بالارتفاع، وهو ما يعكس توقّعات الأسواق بأنّ التضخّم قد يبقى مرتفعاً لفترة أطول. وارتفاع عوائد السندات يعني ببساطة أنّ الحكومات ستدفع تكلفة أعلى للاقتراض، وهو ما يضغط على المالية العامّة في وقت يتباطأ فيه النمو الاقتصادي أصلاً.

الاقتصاد الحقيقي يبدأ في التكيّف

في آسيا، التي تستورد نحو 60% من نفطها من الشرق الأوسط، بدأت الحكومات بالفعل اتخاذ إجراءات للتعامل مع ارتفاع أسعار الطاقة. فقد فرضت بعض الدول تقنيناً للوقود، بينما لجأت أخرى إلى تشجيع العمل عن بعد أو تقليص أيام العمل لتقليل استهلاك الطاقة، وفق تقارير ميدانية نشرتها CNN.

قد تبدو هذه الإجراءات تفصيلية، لكنها مؤشّر على أنّ الأزمة بدأت تنتقل من الأسواق إلى الاقتصاد الحقيقي، وهو ما قد يضرب الاقتصادات الأكثر هشاشة في العالم.

ما وراء الطاقة: معركة النظام الاقتصادي

الحرب الحالية قد تحمل بُعداً أعمق من مجرّد صدمة طاقة. فبعض المؤشّرات تشير إلى أنّ الصراع قد يتحوّل أيضاً إلى مواجهة على قواعد النظام الاقتصادي العالمي.

تتزايد أيضاً النقاشات حول إمكانية تسعير جزء من تجارة النفط بعملات غير الدولار، مثل اليوان الصيني. وإذا تحوّلت هذه الفكرة إلى واقع، ولو جزئياً، فقد تمسّ أحد أعمدة النظام المالي العالمي الذي تشكّل منذ سبعينيات القرن الماضي حول تسعير النفط بالدولار. وقد يؤدّي ذلك إلى تحوّلات في توازنات الاقتصاد الدولي.

اختبار جديد للاقتصاد العالمي

خلال السنوات الخمس الماضية واجه الاقتصاد العالمي سلسلة من الصدمات المتلاحقة: جائحة عالمية، اضطرابات في سلاسل الإمداد، حرب في أوروبا، وموجة تضخّم غير مسبوقة منذ عقود. واليوم تأتي الحرب على إيران لتضيف طبقة جديدة من عدم الاستقرار، ولتطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: إلى أيّ مدى يستطيع الاقتصاد العالمي تحمّل صدمة طاقة جديدة في هذه اللحظة تحديداً؟

فإذا بقيت أسعار النفط مرتفعة لفترة طويلة، قد يجد العالم نفسه أمام مزيج خطير من التضخّم المرتفع والنمو الضعيف، وهو السيناريو الذي أعاد تشكيل الاقتصاد العالمي في الماضي.

لكنّ التاريخ الاقتصادي يعلّمنا أنّ الأزمات الكبرى نادراً ما تبدأ بانهيارات مفاجئة. غالباً ما تبدأ بإشارة صغيرة: اضطراب في ممر بحري، قفزة في أسعار النفط، ثم موجة تضخّم تتسلّل تدريجياً إلى الأسواق والاقتصادات.

ولهذا قد لا يبقى ما يحدث اليوم في مضيق هرمز مجرّد توتر إقليمي، ففي عالم يعتمد على شرايين طاقة ضيّقة، يمكن لممرّ بحري واحد أن يذكّر الجميع بأنّ الاستقرار الاقتصادي العالمي قد يكون، في النهاية، أضيق مما يظنّ كثيرون.

فمن هناك، من ذلك الشريط البحري الضيّق، قد تبدأ سلسلة من الارتدادات تمتد من أسواق النفط إلى قرارات البنوك المركزية، ثمّ تصل في النهاية إلى حياة الناس في كلّ مكان على الكوكب.

Leave A Reply

Your email address will not be published.