google-site-verification=0y7SK1TSqpUjd-0k3R3QUeUDKj-1chg6Il-3Qtn7XUM
وكالة عيون القدس الإخبارية
وكالة عيون القدس الإخبارية

لماذا عاد دونالد ترامب إلى التلويح بالحرب على إيران؟

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، وعلى وقع المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن، عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تصعيد خطابه تجاه إيران، مرفقاً ذلك بحشد عسكري متزايد في المنطقة شمل قطعاً بحرية إضافية وحاملات طائرات.

هذا التزامن بين الدبلوماسية واستعراض القوة يعكس استراتيجية ضغط مركّبة، تهدف إلى التأثير في مسار التفاوض بقدر ما تفتح الباب أمام احتمالات تصعيد عسكري إذا ما فشلت القنوات السياسية.

في هذا السياق، يتردّد سؤال جوهري في الأوساط السياسية والإعلامية: لماذا تعود واشنطن إلى التهديد باستخدام القوة بعد فترة قصيرة نسبياً من المواجهة السابقة؟ وهل نحن أمام مقدّمة لحرب جديدة، أم أنّ التصعيد جزء من لعبة تفاوضية محسوبة؟

حسابات معقّدة
يصعب فهم التصعيد الحالي بمعزل عن تقييم نتائج الجولة العسكرية الماضية. فالمواجهة السابقة، رغم ما خلّفته من خسائر بشرية ومادية، لم تنتهِ إلى حسم استراتيجي واضح لأيّ من الطرفين. هذا الواقع عزّز قناعة لدى صنّاع القرار في واشنطن و”تل أبيب” بأنّ الضغط العسكري يمكن أن يشكّل أداة لتحسين الشروط السياسية، من دون الانزلاق بالضرورة إلى حرب شاملة. ومع ذلك، فإنّ هذه المقاربة تقوم على توازن دقيق بين الردع والمخاطرة.

العامل الأول الذي يحكم الحسابات الأميركية–الإسرائيلية هو الطابع المعقّد لأيّ مواجهة عسكرية واسعة مع إيران. إذ تشير تقديرات عسكرية متداولة إلى أنّ إضعاف القدرات الدفاعية الإيرانية بشكل حاسم يتطلّب حملة جوية طويلة نسبياً، تستخدم فيها قوة نارية كبيرة وتمتد على مساحة جغرافية واسعة.

مثل هذا السيناريو يحمل في طيّاته احتمال ردود إيرانية تستهدف المصالح والقواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة، إضافة إلى تعريض العمق الإسرائيلي لهجمات صاروخية مكثّفة. بالنسبة لحكومة بنيامين نتنياهو، فإنّ أيّ حرب مفتوحة تعني اختباراً صعباً لقدرة الجبهة الداخلية على الصمود، وهو عامل لا يمكن تجاهله في الحسابات السياسية والعسكرية.

العامل الثاني يتمثّل في التداعيات الاقتصادية العالمية لأيّ نزاع واسع في منطقة الخليج. فالمنطقة تعدّ شرياناً حيوياً للطاقة والتجارة الدولية، وأيّ اضطراب كبير فيها سينعكس مباشرة على أسعار النفط والغاز، وعلى سلاسل الإمداد العالمية. التجربة الحديثة للحرب في أوكرانيا قدّمت نموذجاً واضحاً لكيفيّة انتقال آثار نزاع إقليمي إلى الاقتصاد العالمي عبر موجات تضخّم وارتفاع في كلفة الطاقة والنقل.

وإذا كان نزاع أوكرانيا قد أحدث تلك التأثيرات، فإنّ حرباً في الخليج، الذي ينتج نسبة كبيرة من المعروض النفطي العالمي، قد تكون تداعياتها أوسع وأكثر تعقيداً.

في ضوء هذه المعطيات، عملت طهران منذ انتهاء المواجهة السابقة على إعادة تقييم جاهزيتها العسكرية. فقد ركّزت على تعزيز منظومات الدفاع الجوي، وتحسين آليات القيادة والسيطرة، ومعالجة الثغرات التي كشفتها الحرب.

هذا التحرّك يعكس إدراكاً إيرانياً بأنّ التوتر مع واشنطن و”تل أبيب” لم يُحسم، وأنّ احتمال تجدّد المواجهة يبقى قائماً. في المقابل، سعت “إسرائيل” إلى إعادة بناء مخزونها من الذخائر وتطوير قدراتها الجوية، بينما عزّزت الولايات المتحدة حضورها العسكري في المنطقة إلى مستويات تُعدّ من الأكبر منذ غزو العراق عام 2003.

إذا اندلعت مواجهة جديدة، فمن المرجّح أن تعتمد بصورة أساسية على الضربات الجوية والصواريخ بعيدة المدى، مع تجنّب الانخراط في عمليات برية واسعة. غير أنّ مسار مثل هذه الحرب لن يتحدّد فقط بالتفوّق التكنولوجي، بل بمجموعة من العوامل المتداخلة. من بينها قدرة إيران على إخفاء أصولها العسكرية الحيوية وضمان استمرارية مراكز القيادة، إضافة إلى تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة الضغوط العسكرية والنفسية.

كما تؤدّي المعلومات الاستخباراتية دوراً محورياً، إذ إنّ دقة الأهداف وسرعة تعطيل القدرات الصاروخية الإيرانية قد تحدّدان إيقاع المواجهة في أيامها الأولى.

عامل آخر لا يقلّ أهمية يتمثّل في قدرة الاقتصادات الإقليمية والعالمية على امتصاص صدمة الحرب. فتعطّل الملاحة في الخليج أو في مضيق هرمز سيؤثّر مباشرة على حركة التجارة الدولية.

وكما هي الحال في معظم النزاعات الكبرى، فإنّ اندلاع حرب في منطقة مركزية للاقتصاد العالمي سيولّد موجات تضخمية متفاوتة، ويؤدّي إلى حالة من الحذر الاستثماري والجمود في الأسواق. هذا البعد الاقتصادي يشكّل أحد أبرز القيود على قرارات الحرب، ليس فقط بالنسبة للأطراف المباشرة، بل أيضاً للقوى الدولية المرتبطة باستقرار أسواق الطاقة.

كلّ السيناريوهات مفتوحة
تتراوح الأهداف المعلنة للتهديدات الأميركية بين الحدّ من البرنامج النووي الإيراني وتقليص قدراته العسكرية وتغيير سلوكه الإقليمي. غير أنّ تحقيق هذه الأهداف عبر العمل العسكري يظلّ محلّ جدل واسع بين الخبراء، نظراً لتعقيدات البيئة الجيوسياسية وتشابك المصالح الإقليمية.

ومع ذلك، فإنّ سجل إدارة ترامب يظهر استعداداً لاتخاذ خطوات صدامية تتجاوز الأطر التقليدية للدبلوماسية، ما يجعل احتمال التصعيد قائماً، حتى وإن لم يكن الخيار المفضّل.

التاريخ القريب يقدّم دروساً مهمة في هذا السياق. فالحروب التي قادتها الولايات المتحدة في عهد جورج دبليو بوش في أفغانستان والعراق بدأت بأهداف محدّدة، لكنها تحوّلت إلى نزاعات طويلة ذات كلفة بشرية واقتصادية باهظة. هذه التجارب ما زالت حاضرة في الذاكرة السياسية الأميركية، وتؤثّر في النقاش الدائر حول جدوى أيّ مغامرة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط.

في الوقت نفسه، لا تقتصر المخاوف من التصعيد على الخصوم الخارجيين للولايات المتحدة. فقد عبّرت شخصيات سياسية أميركية بارزة، من بينها وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، عن قلقها من تداعيات السياسات التصادمية على موقع الولايات المتحدة الدولي وعلى تماسك التحالفات الغربية. هذه الانتقادات تعكس انقساماً داخلياً حول كيفية إدارة الأزمات الدولية، وحول حدود استخدام القوة في تحقيق الأهداف السياسية.

في المحصّلة، يقف التصعيد الأميركي ضدّ إيران حالياً عند تقاطع معقّد بين الدبلوماسية واستعراض القوة. فبينما تسعى واشنطن إلى تعزيز موقعها التفاوضي عبر الضغط العسكري، تدرك في الوقت ذاته أنّ أيّ خطأ في الحسابات قد يقود إلى مواجهة يصعب احتواؤها.

وبين الرغبة في الردع والخشية من الانزلاق إلى حرب مفتوحة، تتحرّك الأطراف في مساحة ضيّقة تحكمها اعتبارات استراتيجية واقتصادية وسياسية متشابكة.

المرحلة الراهنة، بكلّ ما تحمله من توتر وعدم يقين، تمثّل اختباراً لقدرة القوى المعنية على إدارة صراعها ضمن حدود يمكن التحكّم بها. فاستمرار سياسة حافة الهاوية قد يحقّق مكاسب تكتيكية قصيرة الأمد، لكنه يحمل في طيّاته مخاطر استراتيجية بعيدة المدى على استقرار المنطقة والاقتصاد العالمي. ومن هنا، تبدو المفاوضات، ورغم صعوبتها، الخيار الأقل كلفة مقارنة ببدائل عسكرية قد تعيد رسم خرائط التوتر في الشرق الأوسط لسنوات مقبلة.

لماذا عاد دونالد ترامب إلى التلويح بالحرب على إيران؟ الكاتب: يحيى الصادق.

Leave A Reply

Your email address will not be published.