google-site-verification=0y7SK1TSqpUjd-0k3R3QUeUDKj-1chg6Il-3Qtn7XUM
وكالة عيون القدس الإخبارية
وكالة عيون القدس الإخبارية

رمضان في الزنازين الإسرائيلية.. جوعٌ مقصود وعبادةٌ مستهدفة

كتب اسماعيل الريماوي

يأتي رمضان هذا العام كما في أعوام سابقة، بينما بعض الأسرى في الزنازين لا يعرفون أن الشهر قد بدأ أصلاً ، في العزل الانفرادي، حيث تُحجب الشمس ويُصادر الوقت، لا يُسمع إعلان رؤية الهلال، ولا يصل تقويم يحدد المواقيت، ولا يُسمح برفاهية انتظار الأذان، يدخل الشهر بصمت ثقيل، لا يسبقه تهليل ولا تسبقه زينة، بل يتسلل إلى الزنزانة كما يتسلل الضوء الخافت من فتحة صغيرة في باب حديدي سميك، هناك قد يكتشف الأسير حلول رمضان من تغيّر بسيط في مواعيد الطعام ، او في موعد محكمة خارج السجن ، أو من اجتهاد في تقدير الأيام ، يبدأ الصيام أحياناً بلا يقين كامل، وكأن الزمن نفسه صار أسيراً مع أصحابه.

رمضان في الزنازين ليس موسماً للسكينة كما يعرفه الناس، بل يتحول إلى اختبار قاسٍ للجسد والروح معاً، في الوقت الذي تتزين فيه البيوت بالفوانيس، وتتعالى أصوات الأذان إيذاناً بالإفطار، يعيش الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية واقعاً مختلفاً تماماً؛ رمضان بلا سحور، وإفطار لا يشبه إلا الجوع ذاته.
في السجون، لا تُقاس الأيام بعدد ساعات الصيام، بل بعدد اللحظات التي يقاوم فيها الأسير الإنهاك والجوع ، وجبات شحيحة تفتقر إلى الحد الأدنى من القيمة الغذائية، تُقدَّم بكميات لا تكفي لسدّ رمق صائم، وفي أوقات لا تراعي خصوصية الشهر الفضيل، الإفطار الذي يفترض أن يكون لحظة كسر التعب والاحتفاء بانتصار الإرادة، يتحول إلى محطة ألم جديدة، حيث لا يجد الأسير أمامه سوى فتات لا يسند جسداً أنهكه القيد.
شهادات الأسرى المفرج عنهم خلال العامين الأخيرين تكشف صورة أكثر قسوة ، كثيرون تحدثوا عن بقائهم لساعات طويلة بلا طعام كافٍ، وعن الاكتفاء بلقيمات معدودة، وعن فقدان واضح في أوزانهم نتيجة الحرمان المستمر، أجساد نحيلة، ملامح شاحبة، إرهاق مزمن، وحرمان يكاد يشمل كل تفاصيل الحياة اليومية، الصيام في هذه الحالة، لا يكون خياراً روحياً خالصاً، بل امتداداً لسياسة تضييق ممنهجة.
ويزداد المشهد قتامة مع المواقف العلنية التي أطلقها المتطرف إيتمار بن غفير، الذي دعا إلى مضاعفة التنكيل والقمع ضد الأسرى خلال شهر رمضان، وإلى تقليص الوجبات الغذائية، ومنع مظاهر الشعائر الدينية داخل السجون ، هذه الدعوات لا تعكس مجرد خطاب سياسي متطرف، بل تؤسس لبيئة عقابية تُحوِّل الشهر الفضيل إلى ساحة ضغط إضافي، وتضع الحق في العبادة والغذاء في دائرة الاستهداف المباشر.
رمضان في السجن يعني أيضاً عزلة مضاعفة، لا أذان يُسمع كما يجب، ولا اجتماع عائلي، ولا صلاة جماعية آمنة، ومع محاولات تقييد الشعائر الدينية، يصبح التمسك بها شكلاً من أشكال المقاومة المعنوية، الليل طويل، والساعات ثقيلة، والحنين إلى البيت يتحول إلى وجعٍ يومي ، هناك خلف الجدران، يُختبر معنى الصبر في أقسى صوره.
ورغم كل ذلك، لا يتخلى الأسرى عن رمزية الشهر، في قلب القهر، يحاولون صناعة معنى خاص لرمضان؛ يتقاسمون القليل، يتبادلون التهاني همساً، ويتمسكون بما تبقى من طقوسهم قدر المستطاع، يتحول الصيام من مجرد امتناع عن الطعام إلى فعل صمود، ومن عبادة فردية إلى حالة جماعية من التحدي في وجه محاولات الإذلال.
المفارقة المؤلمة أن العالم يحتفي بشهر الرحمة، بينما يقضي آلاف الأسرى أيامهم في ظروف تحرمهم من أبسط مظاهر هذه الرحمة ، وفي ظل دعوات رسمية لمضاعفة القمع وتقليص الغذاء ومنع الشعائر، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: أي رسالة يُراد توجيهها من وراء تحويل رمضان إلى أداة عقاب؟ في الزنازين، لا يحتاج الأسرى إلى موائد عامرة، بل إلى حد أدنى من العدالة والكرامة، كي لا يتحول الصيام إلى عقوبة إضافية فوق عقوبة السجن.

Leave A Reply

Your email address will not be published.