ما كشفته القناة 14 العبرية عن مصادقة رئيس الأركان إيال زمير على خطة هجوم واسع النطاق لحسم المعركة في قطاع غزة لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً عسكرياً تقنياً بقدر ما هو إعلان سياسي عن انتقال إسرائيل إلى مرحلة أكثر خطورة بعد فشل كل المراحل السابقة في تحقيق أهداف الحرب المعلنة، فمنذ اندلاع العدوان لم تتمكن المؤسسة العسكرية من كسر بنية المقاومة أو فرض واقع سياسي جديد في القطاع ، وهو ما جعل خيار التصعيد الشامل يعود إلى الطاولة بوصفه محاولة أخيرة لإنقاذ صورة الردع المتآكلة داخلياً وخارجياً .
الخطة التي جرى تعديلها وحسم الخلافات داخل المؤسسة العسكرية لصالح رؤية وزير الجيش تعكس صعود منطق القوة المطلقة داخل القيادة الإسرائيلية، فالتوجيهات السياسية باتت أكثر تطرفاً في ظل حكومة مأزومة داخلياً ترى في الحرب أداة لإعادة ترتيب التوازنات الداخلية وتأجيل الانفجار السياسي والقضائي الذي يلاحق نتنياهو وتحالفه اليميني ، وفي هذا السياق يصبح الحسم العسكري في غزة ليس هدفاً بحد ذاته بل وسيلة للهروب من مأزق داخلي متراكم عبر تصدير الأزمة إلى الميدان .
السيناريوهات الثلاثة التي تطرحها إسرائيل تكشف أن المسار السياسي ليس سوى غطاء زمني قصير، فالاتفاق الشامل لتفكيك الحركة خلال مهلة لا تتجاوز شهرين يبدو أقرب إلى إنذار أخير منه إلى خيار واقعي، أما الحديث عن عملية عسكرية محدودة فقد ثبت فشله عملياً خلال الشهور الماضية حيث لم تؤد الضربات المتكررة إلا إلى استنزاف متبادل دون تغيير جوهري في ميزان الصراع، ويبقى الخيار الثالث أي الاحتلال الكامل للقطاع هو المسار الحقيقي الذي يجري التمهيد له تدريجياً عبر الإعلام والتقديرات الأمنية وتهيئة الرأي العام الإسرائيلي لفكرة العودة إلى السيطرة المباشرة .
اللافت في التقديرات الإسرائيلية أن فرض حكم عسكري مؤقت بات يُقدَّم كأمر شبه حتمي حتى في حال تدويل القطاع وهو ما يعكس انعدام ثقة إسرائيل بأي إدارة دولية أو إقليمية، ويعيد إلى الواجهة نموذج الاحتلال المباشر الذي حاولت التخلص من كلفته منذ انسحابها الأحادي عام 2005 فإسرائيل تدرك أن أي كيان دولي في غزة لن يكون قادراً على ضبط الأمن وفق شروطها دون وجودها العسكري المباشر .
غير أن جوهر الخطة الإسرائيلية يتجاوز مسألة سلاح المقاومة أو وجودها العسكري ، فهذه العناوين ليست سوى ذريعة لتبرير حرب مفتوحة بلا سقف زمني أو أخلاقي، فالهدف الحقيقي يتمثل في تحويل حياة الفلسطينيين في غزة إلى جحيم شامل ودفعهم قسراً إلى خيارين لا ثالث لهما إما المقاومة حتى الموت، أو البحث عن النجاة الفردية عبر التهجير، فالحسم هنا لا يُقاس بعدد الأنفاق أو الصواريخ بل بمدى القدرة على كسر المجتمع وتجفيف شروط البقاء وتحويل الحياة اليومية إلى عبء لا يُحتمل .
في هذا السياق يصبح منع الإعمار ووقف المساعدات ورفض أي وقف لإطلاق النار أدوات مركزية في الاستراتيجية الإسرائيلية لا نتائج جانبية لها، فلا أفق لإعادة البناء، ولا ضمان لتدفق المساعدات ، ولا نية حقيقية لوقف القتل ، بل إدارة ممنهجة للألم الجماعي بوصفه وسيلة سياسية لإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والأمني في غزة ، فالرسالة الإسرائيلية واضحة إما القبول بواقع الخضوع الكامل، أو الموت البطيء تحت القصف والحصار أو الهجرة القسرية تحت ضغط الجوع واليأس .
أما الدوافع المعلنة لتوسيع الخطة فتزداد خطورة حين يجري التعامل مع غياب المختطفين وفق الرواية الإسرائيلية بوصفه رافعاً لكل القيود على استخدام القوة ، ومع تراجع الضغط الدولي الفعلي وانشغال الإقليم بأزماته ترى تل أبيب أن اللحظة مواتية لفرض وقائع قسرية على الأرض حتى لو كان الثمن تدميراً شاملاً للقطاع وفتح الباب أمام مرحلة طويلة من الفوضى وعدم الاستقرار .
لكن ما تتجاهله هذه الحسابات أن الاحتلال الكامل لا يعني الحسم بل الدخول في مستنقع استنزاف مفتوح، وأن غزة التي صمدت تحت الإبادة والحصار لن تتحول إلى مساحة خاضعة للإدارة العسكرية دون مقاومة طويلة الأمد، فالتجربة التاريخية للاحتلال الإسرائيلي في لبنان والضفة الغربية تؤكد أن السيطرة الأمنية لا تعني الاستقرار وأن القوة المجردة لا تصنع حلاً سياسياً ولا تنهي صراعاً جذوره أعمق من الميدان .
في المحصلة تبدو خطة الحسم الإسرائيلي في غزة محاولة للهروب إلى الأمام أكثر مما هي تعبير عن ثقة بالقدرة على الانتصار، فإسرائيل التي عجزت عن فرض شروطها خلال الحرب تحاول اليوم تعويض الفشل بتوسيع النار لكنها في الواقع تفتح على نفسها أبواب مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة حيث يتحول الاحتلال من خيار إلى عبء وتتحول غزة من ساحة معركة إلى اختبار مفتوح لقدرة إسرائيل على تحمل كلفة السيطرة على شعب يُدرك أن الاستسلام ليس خياراً مهما بلغ حجم الدمار .