خلال عام 2025، عاشت الضفة الغربية واقعًا ميدانيًا متصاعدًا لا يقل خطورة عمّا شهده قطاع غزة، وإن اختلفت أشكال العدوان وحدّته، فقد شهدت الضفة تصعيدًا عسكريًا واسع النطاق، تخللته اقتحامات شبه يومية للمدن والمخيمات، وحملات اعتقال جماعية، وعمليات تهجير قسري، بالتوازي مع تسارع لافت في وتيرة التوسع الاستيطاني.
المشهد على الأرض عكس سياسة ممنهجة تستهدف تقويض البنية المجتمعية الفلسطينية، عبر فرض وقائع جديدة بالقوة، وتوسيع الاستيطان، واستخدام القوة المفرطة في ظل صمت دولي متواصل، هذه الممارسات حوّلت الضفة الغربية إلى ساحة مفتوحة لاستنزاف طويل الأمد، يطال الإنسان والأرض على حد سواء.
عام 2025 لم يكن عامًا عابرًا في سجل الضفة الغربية، بل شكّل مرحلة مفصلية اتسمت بتصاعد الاعتقالات الجماعية، وتسارع التوسع الاستيطاني، وعمليات تهجير وإخلاء قسري طالت المخيمات الفلسطينية، إلى جانب ارتفاع ملحوظ في أعداد الشهداء والجرحى. ويرى مراقبون وحقوقيون أن هذه السياسات تؤكد أن الضفة الغربية باتت جزءًا أساسيًا من استراتيجية إسرائيلية شاملة تستهدف الجغرافيا الفلسطينية كوحدة واحدة.
عام الاستيطان: توسّع غير مسبوق
هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أكدت أن الاستيطان “الإسرائيلي” واصل توسعه بوتيرة متسارعة في الضفة الغربية خلال عام 2025، مستفيدًا من الغطاء السياسي والتشريعي، مشيرة إلى أن هذا التوسع ساهم بشكل مباشر في تقطيع أوصال الضفة، وفرض مزيد من القيود على حركة الفلسطينيين، وتعميق السيطرة الإسرائيلية على الأراضي المصنفة (ج).
وبيّنت الهيئة، على لسان مستشارها القانوني عايد مرار، أن التوسع الاستيطاني يهدف بالأساس إلى طرد الفلسطينيين من أراضيهم وتوطين المستوطنين مكانهم، وفق الأسس التي قام عليها المشروع الصهيوني.
وأوضح في حديث صحفي أن وتيرة البناء الاستيطاني تتغير تبعًا للمزاج الدولي، الذي يغلب عليه الصمت وعدم اتخاذ أي موقف رادع إزاء جرائم الاحتلال في الضفة الغربية، كما في قطاع غزة حيث تتواصل حرب الإبادة الجماعية.
ولفت إلى أن عام 2025 سجّل رقمًا قياسيًا في عدد الوحدات الاستيطانية التي جرت المصادقة على بنائها، حيث أُقرت آلاف الوحدات الجديدة في مستوطنات الضفة الغربية، مؤكدًا أن هذه المخططات تهدف إلى فرض وقائع ديموغرافية وجغرافية جديدة، وتقويض أي إمكانية مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
الاعتقالات: سياسة قمع ممنهجة
لم يكن واقع الضفة الغربية بعيدًا عن سياسات القمع، إذ شهد عام 2025 واحدة من أوسع حملات الاعتقال منذ سنوات. فقد نفذت قوات الاحتلال اقتحامات شبه يومية طالت المدن والبلدات والمخيمات، وأسفرت عن أكثر من 7 آلاف حالة اعتقال، شملت مئات الأطفال والنساء، إلى جانب صحفيين وأسرى محررين، وفق معطيات هيئة شؤون الأسرى.
وأوضحت الهيئة أن التصاعد الكبير في استخدام الاعتقال الإداري دون توجيه تهم أو محاكمات، حوّل هذا الإجراء إلى سياسة دائمة وليست استثنائية، مشيرة إلى أن حملات الاعتقال رافقتها عمليات تنكيل ميداني، وتخريب للمنازل، ومصادرة ممتلكات، وفرض عقوبات جماعية على عائلات المعتقلين.
وأكدت أن الاعتقالات لم تقتصر على الذرائع الأمنية، بل شكّلت أداة سياسية واجتماعية تهدف إلى تفريغ المجتمع الفلسطيني من عناصره الفاعلة، وبث حالة من الردع والخوف في أوساطه.
المخيمات الفلسطينية: إخلاء وتهجير قسري
المخيمات الفلسطينية لم تكن خارج حسابات آلة الإجرام “الإسرائيلية”، حيث كان عام 2025 قاسيًا بشكل خاص عليها، فقد تعرضت مخيمات جنين، طولكرم، نور شمس، وبلاطة لعمليات عسكرية واسعة واقتحامات متكررة، استخدمت خلالها القوة المفرطة، ما أدى إلى تدمير واسع في البنية التحتية، شمل منازل، وشبكات مياه وكهرباء، وطرقات.
كما سُجّل تهجير عشرات الآلاف من سكان المخيمات، اضطر بعضهم للنزوح لفترات طويلة دون أي ضمانات للعودة، في إطار عمليات وُصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ عقود في الضفة الغربية، وأعادت إلى الواجهة سيناريوهات التهجير القسري داخلها.
الشهداء والإصابات: حصيلة ثقيلة
لم تقتصر آلة الحرب “الإسرائيلية” في عام 2025 على قطاع غزة فحسب، بل استخدمت قوتها المفرطة في الضفة الغربية أيضًا، وإن بوتيرة أبطأ، فقد شهد العام ارتفاعًا لافتًا في حصيلة الشهداء والجرحى في الضفة الغربية
وبحسب تقارير حقوقية، ارتقى خلال عام 2025 أكثر من 100 شهيد في مختلف مدن الضفة الغربية، بينهم أطفال ونساء، نتيجة الاقتحامات والاشتباكات وإطلاق النار المباشر، كما أُصيب آلاف الفلسطينيين، وُصفت بعض الإصابات بالخطيرة، وأدت في حالات عديدة إلى إعاقات دائمة.
“بالإضافة إلى ذلك، سُجّلت حالات إعدام ميداني، وإطلاق نار على الحواجز العسكرية، فضلًا عن استهداف مباشر خلال اقتحام المخيمات الفلسطينية، حيث بات استخدام القوة المميتة نهجًا متكررًا، حتى في ظروف لا تشكّل خطرًا مباشرًا على القوات المقتحمة”.
ما المتوقع للضفة الغربية في عام 2026؟
تشير المعطيات إلى أن عام 2026 مرشّح ليكون امتدادًا تصاعديًا لما شهده عام 2025 في الضفة الغربية، مع استمرار السياسات “الإسرائيلية” القائمة دون مؤشرات جدية على التراجع، ومن المتوقع تسارع وتيرة التوسع الاستيطاني والضم الزاحف، خاصة في المناطق المصنفة (ج)، إلى جانب تصاعد اعتداءات المستوطنين تحت حماية الجيش.
ووفق المعطيات، يُرجّح استمرار حملات الاعتقال الجماعية والاقتحامات اليومية، مع تركيز خاص على المخيمات الفلسطينية التي قد تبقى هدفًا مباشرًا للعمليات العسكرية والإخلاء القسري.
وعلى المستوى الإنساني، يُتوقع ارتفاع المخاطر على المدنيين، واستمرار استخدام القوة المميتة، ما ينذر بزيادة أعداد الشهداء والإصابات، في ظل غياب ضغط دولي فعّال، تبدو الضفة الغربية مقبلة على عام أكثر تعقيدًا، تتعمّق فيه سياسات فرض الأمر الواقع وتقويض أي أفق لحل سياسي عادل.
المصدر: وكالة فلسطين اليوم