google-site-verification=0y7SK1TSqpUjd-0k3R3QUeUDKj-1chg6Il-3Qtn7XUM
وكالة عيون القدس الإخبارية
وكالة عيون القدس الإخبارية

السعودية وجنوب اليمن: نجاح تكتيكي ما لم يُستتبع باستراتيجية أشمل

طتب: عريب الرنتاوي – مدير مركز القدس للدراسات السياسية

بقفزة واحدة، اجتازت السعودية مسافة طويلة من التردد والاستنكاف، بدا معها أن اليمن يكاد يَفِرُّ من بين يديها، فشماله خاضع لسيطرة أنصار الله، واستتباعاً، في موقع الشراكة والتحالف مع إيران، وجنوبه، تعرض للقضم المتدرج من قبل ميليشيات المجلس الانتقالي وبعضٍ من حلفائه المحليين، واستتباعاً بالتبعية التامة، تمويلاً وتسليحاً وتدريباً، للإمارات العربية المتحدة… مع أن هذه البلاد المترامية، تقع تاريخياً، في قلب “نظرية الأمن القومي” للمملكة، ولطالما تناقل المؤرخون والباحثون، مقولات و”وصايا” للملك المؤسس تشفّ جميعها عن إدراك عميق للمكانة الاستراتيجية لليمن من المنظور السعودي، من منظور أمنها واستقرارها ووحدتها الترابية.

ويتضح اليوم، في ضوء تطورات الأحداث المتلاحقة في جنوبي البلاد وشرقها، أنها بخلاف سابقتها قبل عشر سنوات، لم تكن “قفزة في المجهول”، فقد حققت المملكة جنوباً، وفي عشرة أيام، ما عجزت عن تحقيقه شمالاً في عشر سنوات… لقد تهاوى النفوذ الإماراتي في الجنوب، وسحبت أبو ظبي معظم، إن لم نقل جميع قواتها المسلحة (يُقال إنها ما زالت تحتفظ بوجود عسكري في أرخبيل سوقطرى) … أما “الوسائد” و”الأذرع” التي كان يتكئ عليها النفوذ الإماراتي، فقد “هُزِمت بالرعب”، وتراجع نفوذها قبل أن تخوض أي معركة جدية.

وبدل أن تكون أبو ظبي، هي صاحبة القول الفصل فيما يتعلق بالجنوب وسواحله وموانئه وجزره، أصبحت الرياض هي الوجهة التي ترنو إليها القبائل والفصائل الجنوبية، بمن فيها قوى آثرت القفز من مركب “الانتقالي” الغارق، واللحاق بركب “المنتصر” في صراع القوى والنفوذ بين أقوى دولتين خليجيتين، وأحسب أن “سيناريو الانهيار” ستتداعى آثاره وارتداداته، على نحو أوضح في قادمات الأيام، وأن ما مضى من عصر النفوذ والهيمنة الإماراتيين، لن يستمر، وربما لن يتكرر.

ليس اليمن وحده

لم يكن خافياً على أحد، أن ثمة صراعاً وتنافساً محتدمين بين الدولتين الجارتين، وأن الكثير من الجمرات المتقدة، كانت كامنة تحت سطح سميك من الرماد، وعبارات المجاملة والتكاذب المتبادلة… صراع على الزعامة داخل الفضاء الخليجي، وصراع جيوسياسي يتخطى الخليج إلى المشرق وشرق أفريقيا وشمالها وباب المندب والقرن الأفريقي، وصراع جيو-اقتصادي، بين عملاقين نفطيين، يسعيان لتنويع مصادر دخلهما، وجذب المزيد من المستثمرين والسائحين و”الذكاء الاصطناعي”.

لكل ذي عقل وبصيرة، كان واضحاً أن ثمة فجوة متسعة في “ميزان القوى” بين الجانبين، تنبئ بأن الكفة ستميل في نهاية المطاف لمصلحة المملكة… لكن الأداء “الرشيق” للدبلوماسية الإماراتية، وجرأتها غير المعهودة، على اقتحام ميادين النزاع في دول الأزمات المفتوحة، مباشرة أو عبر “الوكلاء”، مقابل دبلوماسية سعودية “بطيئة”، البعض يصفها بالمتأنية، وحَذَراً سعودياً من الدخول في مغامرات بعيدة عن الحدود، جعلت كثيرين يظنون أن فرص الإمارات في الوصول إلى خط النهاية في “سباق المسافات الطويلة”، أعلى من فرص المملكة، وهي الظنون التي تبددت في جنوب اليمن، ما إن قررت الرياض حسم موقفها والتحرك بحزم مدروس، لا يشبه “حزم العاصفة” التي هبّت على شمال اليمن في آذار 2015.

وفي ظني أن الرياض قرأت تقرّب أبو ظبي من “تل أبيب”، وقيامها بنسج أوثق العلاقات مع “إسرائيل” حتى وهي في ذروة مقارفتها لجرائم الإبادة والتطهير في غزة وفلسطين، على أنها محاولة للاستقواء بالعامل الإسرائيلي، لاستحداث قدر أعلى من “توازن القوى” داخل منظومة التعاون الخليجي وما وراءها، وهو المضمار الذي لا تستطيع الرياض أن تجاريها فيه، فللأولى حسابتها المترتبة على “خدمة الحرمين الشريفين”، وطموحها الدائم، المقرون بمستوى من الاقتدار” على تزعم العالمين العربي والإسلامي، ولديها رأي عام شعبي، لا تستطيع الإفلات من حساباته، بخلاف الجارة المشاكسة، التي لم يدخل مفهوم الرأي العام في حسابات سياستها الخارجية ولم يندرج من ضمن محدداتها.

لكن ما نحن لسنا على يقين منه، هو كيف “تخطط” المملكة لمواجهة استراتيجية إسرائيلية معلنة، تستهدف الأمن القومي العربي، ومن ضمنه أمن الحواضر الكبرى في مصر والسعودية، وقبلها في سوريا والعراق، وأي طريق ستسلك لمواجهة محاولات “تل أبيب” التعرض لأمنها، من بوابة اليمن الجنوبي وأرض الصومال وغرب السودان، وأماكن أخرى أكثر بعداً وأقل تهديداً… هل ستواصل الرهان على القفز إلى مظلة واشنطن لاتقاء شر ربيبتها “تل أبيب”، هل ستسرّع مسار التطبيع مع دول الاحتلال والإبادة، أم هل تتجه إلى استراتيجية مواجهة، وإن بأساليب سياسية واقتصادية ناعمة، مع أحد أخطر مصادر التهديد، وفي مواجهة الكيان الأحق بوصف “مزعزع الاستقرار” في الإقليم والمنطقة على اتساعها؟

الصورة الأكبر تقول: فتش عن الأصابع الإسرائيلية، من “حلف الأقليات” في سوريا، إلى المحور العسكري – الأمني الاقتصادي في شرق المتوسط، مروراً بشرق ليبيا وغرب السودان وأرض الصومال وجنوب اليمن، ذلك أن محاصرة وتطويق الدول الإقليمية الأربع الكبرى: مصر والسعودية عربياً، تركيا وإيران إقليمياً، وتهديد أمنها وسلامة ترابها، إنما يقع في صدارة قائمة الأولويات الإسرائيلية الاستراتيجية، ولا بأس من منظور إسرائيلي، أن يجري العمل لتحقيق مرامي هذه الاستراتيجية وفقاً لنظرية “الثور الأبيض والثور الأسود”.

كيف تحفظ المملكة مصالحها؟

لم يكن الملف اليمني في يوم من الأيام، “ترفاً” يمكن للسعودية أن تدير ظهرها له أو أن تتغاضى عنه، ولطالما جرى تكليف أبرز أمراء العائلة بإدارة هذا الملف الشائك والمتشابك، واليوم أكثر من أي وقت مضى، لم يعد بمقدور المملكة ترك اليمن، نهباً لنفوذ خصومها في عواصم العرب و”الجوار”… والرياض لطالما تصرفت مع اليمن على قاعدة “ما لم يدرك كله، لا يترك جُلّه”… وثّقت علاقتها بنظام الإمامة ضد عبد الناصر، ولاحقاً مع الشمال “المحافظ” ضد الجنوب “الثوري”، واليوم، وبعد أن فشلت محاولتها لإخضاع الشمال، لم يعد بمقدورها أن تترك الجنوب.

لا تُختَصَر المصالح السعودية في حدودٍ طويلة مع الجارة الجنوبية الكبيرة، ولا في تداخل السكان وأصولهم والمحافظات الحدودية التي يشعر كثيرٌ من اليمنيين بأنها “مقتطعة” من بلدهم الأم… ثمة إدراك سعودي بأن خطط التنمية والنهوض الاقتصادي في المملكة ذاتها، إنما باتت تعتمد إلى حد كبير على استقرار اليمن، وتفادي انفجاراته المتلاحقة، وما قد يتطاير عنها من شرارات وشظايا تصيب العمق السعودي.

وثمة رغبة سعودية، للخروج من “عنق الزجاجة” المعروف بمضيق هرمز، الذي تمر عبره صادرات المملكة من النفط وغيره… إيصال النفط بالأنابيب إلى شواطئ بحر العرب، حلم سعودي قديم – جديد، وبدائله مكلفة سياسياً واقتصادياً، إن جرى اختيار الموانئ الإسرائيلية على شواطئ المتوسط، كما ترغب تل أبيب وتحلم بذلك… بهذا المعنى، وفي هذا السياق، أحسب أن توجهاً كهذا، يستحق التشجيع والتسهيل، من اليمنيين وجوارهم، فكل ما من شأنه إبعاد دولة عربية عن “إسرائيل”، وتخفيف اعتمادها عليها، خصوصاً في حقول استراتيجية كالطاقة والمياه و”الهايتيك”، هو أمر مرغوب به ومحمود، فما بالكم حين يتصل الأمر بدولة بحجم السعودية ومكانتها.

إن الحفاظ على هذه المصالح وتعظيمها، يمليان على المملكة السير على خطين متوازيين:

الأول؛ يمني- يمني، ويبدأ بإنهاء حالة العداء بين الرياض وصنعاء، بين شمال وجنوب، والعودة إلى آليات الحوار والمصالحة والتوافق، وإخراس الأصوات التي انطلقت على هامش عودة الدور السعودي القائد في الجنوب، والتي تنظر إلى المسألة من زاوية “توحيد الجنوب لمواجهة الشمال”، تلكم مقاربة لن تجلب لليمن سوى الخراب واستئناف الحروب الأهلية المتناسلة، وتتهدد في نهاية المطاف، أمن المملكة واستقرارها.

حسناً، أن الرياض ستستقبل مؤتمراً للقوى الجنوبية، يعزل الاتجاهات الانفصالية المرتبطة بالخارج، والتي لا تكف عن مغازلة “إسرائيل”، وتوجيه الرسائل المحمّلة بأعلى درجات الاستعداد للانخراط في المسار الإبراهيمي، لكن ذلك، يجب أن يكون حلقة أولى في سلسلة من الحلقات المتصلة، التي تشمل مختلف ألوان الطيف اليمني، ولا تستثني سوى “التيار المتأسرل”، بخلاف ذلك، سيكون بمقدور القيادة السعودية أن تقول: “الأمر لي”، ولكن في جنوب البلاد لا في عمومها.

اليمن دولة كبيرة، بموارد كبيرة، وشعب نشط فاعل، واسترداد وحدته وسيادته واستقلاله، مطلب ضروري، ولا يتعين بحال العودة إلى نظريات قديمة: إضعاف اليمن مطلب ضروري للحفاظ على قوة السعودية.

الثاني؛ عربي – إقليمي، ويعالج أبرز تحديات “الصورة الكبرى”، بدءاً من تنسيق وثيق مع مصر، لمواجهة التمدد الإسرائيلي في السودان وليبيا وأرض الصومال والقرن الأفريقي، مروراً بالعمل المشترك مع تركيا في كل ساحات “المصالح المشتركة”، وليس انتهاءً بتعزيز التقارب مع إيران، ومن ضمن توجه جدي وجاد، لتأسيس منظومة إقليمية للأمن والتعاون، تشمل هذه الأطراف، ومن يريد الانخراط في فعالياتها، ولا يجوز استبعاد الباكستان، التي انخرطت في الهم الشرق أوسطي، بعد الطوفان وبفعل تداعيات حرب الإبادة.

هذه المنطقة، هي ملكية حصرية لأهلها وشعوبها، وحفظ أمنها واستقرارها وضمان ازدهارها، مسؤولية حكامها وحكوماتها، وليست أبداً “غنيمة” يمكن تقاسمها بين “اليانكي الأميركي” و”الفاشي الإسرائيلي”… ومن دون إطار استراتيجي من هذا النوع، ومن دون نظرة واقعية، ثاقبة ومتبصرة، عاقلة وعقلانية في سلوكها وأدواتها، لن يكون لأي نجاح سعودي في إحكام القبضة على هذا الملعب أو ذاك، أي قيمة مستقبلية… من دون تعميم السلوك السعودي في اليمن، بسلوك مصري في السودان، وعمل مشترك مع الأطراف الأربعة الكبرى في الإقليم التي أتينا على ذكرها في ساحات أخرى، ستُسلم هذه المنطقة، رقاب شعوبها على طبق من فضة للسكين الإسرائيلية الحادة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.